ابن حزم
150
الاحكام
وبلغه حديث فاطمة بنت قيس فلم يأخذ به ، فخالف المالكيون رأي عمر ، وأخذوا بنصف حديث فاطمة فلم يروا للمبتوتة نفقة ، فخالفوا الحديث وعمر في النصف الثاني فرأوا لها السكنى . وعمر قد قرأ الآية كما قرؤوها . وهكذا فعلوا في رواية ابن عباس في حديث : حد المكاتب وميراثه ودينه بمقدار ما أدى فقالوا : خالفه ابن عباس فأفتى بغير ذلك ، ولا حجة لهم في هذا لان هذا الحديث قد رواه أيضا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأخذوا به وأفتي به . فلم كان ترك ابن عباس للحديث حجة على عمل علي به ؟ وقد يحتمل ترك ابن عباس وغيره لما روي وجوها منها أن يتأول فيه تأويلا كما ذكرنا آنفا ، أو يكون نسيه جملة ، أو يكون نسيه حين أفتى بهذه الفتيا المخالفة له كما ذكرنا آنفا فيمن أفتى منهم بخلاف القرآن وهو ناس لما في حفظه من ذلك ، أو يكون لم يكن يبلغه حين أفتى بما أفتى به ثم بلغه الحديث بعد ذلك ، فإن هذه الوجوه كلها موجودة فيما روي عنهم ، فلا يحل لاحد ترك كلامه عليه السلام الفتيا جاءت عن صاحب فمن دونه مخالفة لما صح عنه عليه السلام ، ولو تتبعنا ما تركوا فيه روايات الصحابة وأخذوا بفتياهم ، وما تركوا فيه فتيا الصحابة وأخذوا برواياتهم ، لكثر ذلك جدا ، لان القوم إنما حسبهم ما نصروا به المسألة التي بين أيديهم فقط ، وإن هدموا بذلك سائر مسائلهم . وفيما ذكرنا كفاية . وبالجملة فصرف الداخلة التي يعترضون بها على رواية الصاحب لما ترك برأيه أولى أن يكون إلى النقل - لمخالفته لذلك - منه إلى الرواية التي يلزم اتباعها . وهذا باب قد عظم تناقضهم فيه ، فهذا ابن عمر وأبو برزة هما رويا حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فحملاه على تفرق الأبدان ، فخالفهما المالكيون والحنفيون فقالوا : التفرق بالكلام ولم يلتفوا إلى ما حمل عليه الحديث الصاحبان اللذان روياه . وهذا علي رضي الله عنه روى : الصلاة تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ثم روي عنه تركه وأنه أفتى بأنه إذ وقع رأسه من السجود فقد تمت صلاته فخالفه المالكيون ، ورأوا التسليم فرضا لا بد منه . وتناقضهم في الباب عظيم جدا .